العيني

116

عمدة القاري

فاتفق أن يتأخر الوحي عنه ، ورمي بما رمي به لأجل ذلك ، ثم علمه الله بقوله تعالى : * ( ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً ، إلاَّ أن يشاء الله ) * ( الكهف : 32 ) . فكان بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة حتى في الواجب . قوله : ( فلم تحمل منهم ) ، أي : من مائة امرأة . قوله : ( إلاَّ امرأة واحدة جاءت بشق رجل ) وفي رواية : بشق غلام ، في أخرى : نصف إنسان ، وفي أخرى : فلم تحمل شيئاً إلاَّ واحداً سقط أحدى شقيه . قوله : ( فرساناً ) حال ، وهو جمع فارس . قوله : ( أجمعون ) ، بالرفع لتأكيد ضمير الجمع الذي في قوله : لجاهدوا ، ويجوز أجمعين بالنصب تأكيداً لقوله : فرساناً ، إن صحت الرواية . ذكر ما يستفاد منه : فيه : الحض على طلب الولد لنية الجهاد في سبيل الله ، وقد يكون الولد بخلاف ما أمله فيه ، ولكن له الأجر في نيته وعمله . وفيه : أن من قال : إن شاء الله ، وتبرأ من مشيئته ولم يعط الحظ لنفسه في أعماله ، فهو حري أن يبلغ أمله ، ويعطى أمنيته ، وليس كل من قال قولاً ولم يستثن فيه المشيئة بواجب أن لا يبلغ أمله ، بل منهم من شاء الله بإتمام أمله ، ومنهم من يشاء أن لا يتمه ، بما سبق في علمه ، لكن هذه التي أخبر عنها سيدنا رسول الله ، صلى الله عليه وسلم أنها مما لو استثنى لتم أمله ، فدل هذا على أن الأقدار في علم الله ، عز وجل ، على ضروب ، فقد يقدر للإنسان الرزق والولد والمنزلة إن فعل كذا ، أو قال أو دعا ، فإن لم يفعل ولا قال لم يقدر ذلك الشيء . وأصل هذا في قصة يونس ، عليه الصلاة والسلام ، فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه ، فبان بهذا أن تسبيحه كان سبب خروجه من بطن الحوت ، ولو لم يسبح ما خرج منه . وفيه : أن الاستثناء ليمضي فيه القدر السابق كما سبق وفيه أن الاستثناء يكون بأثر القول ، وإن كان فيه سكوت يسير لم ينقطع به دونه فصال الحائلة بينه وبين الاستثناء واليمين . وفيه : ما كان الله تعالى خص به الأنبياء من صحة البنية وكمال الرجولية مع ما كانوا فيه من المجاهدات في العبادة ، والعادة في مثل هذا لغيرهم الضعف عن الجماع ، لكن خرق الله تعالى لهم العادة في أبدانهم ، كما خرقها لهم في معجزاتهم وأحوالهم ، فحصل لسليمان ،